Yahoo!

وقفة صريحة .. مع الذات (2)

كتبهاد. عبدالله ، في 8 أغسطس 2011 الساعة: 09:56 ص

العين .. الثالثة
وقفنا في ختام الجزء الأول من هذا المقال عند التساؤل التالي: من يقف وراء تعليق أو تأجيل بعض الإصلاحات والتوجيهات والتوجهات السامية التي كان لها الفعل السحري في تفريغ حالة الغضب في مرحلة الاعتصامات وسحبت سريعا منها الغطاء الاجتماعي؟ نعتقد أحيانا أن التساؤل ينبغي أن لا يحمل صفة البراءة وحسن النية، وإنما العكس، وفي الغالب يذهب بنا الاعتقاد الى أن المسألة في جوهرها مسألة وقت ينبغي أن يعطي للإصلاحات والتجديدات؟ لكننا لن نفهم ولن نتفهم تبرير انتظار خمسة أشهر حتى الآن لتعيين الشباب ضمن أوامر السامية بتوظيف (50) ألف مواطن كما لا يمكن التسليم بالمدى الزمني المفتوح أو الطويل لتطبيق الإصلاحات.
من هنا، نرى أن الأهمية الوطنية العاجلة تكمن في تبني مسارين ثنائيين مزدوجين في آن واحد بعد بروز حالات عنف مقلقة ـ يراجع الجزء الأول من هذا المقال ـ وكذلك عودة متواضعة لمظاهرات محدودة جدا، وهما أي المسارين يهدفان في نتائجهما النهائية إلى الحفاظ على ديمومة الاستقرار من خلال الإجماع الوطني لا من خلال القوة العسكرية والأمنية فقط مهما كانت حلولها الناجحة والرادعة، فالمكون الاجتماعي ببناها الفوقية والتحتية في بلد كعمان لا ينبغي أبدا إسقاطه من معادلة ديمومة الأمن والأمان، والمساران هما، عدم السماح بالمساس بهيبة الدولة من قبل أي فرد أو جهة سواء كان هذا الفرد مواطنا بصفته المجردة أو بصفته الوظيفية مهما كان حجمها، وهذا كان ردنا في الجزء الأول من هذا المقال على حالات الحرق والتدمير المحدودة التي وقعت مؤخرا، وطالبنا فيه بوضع حد فوري لها حتى لا تنتقل الشرارة مناطقيا في ظل وجود بيئات محلية مواتية لها، ليس مهما هنا حجمها، الأهم أن هذه البيئات تحتوي على أدوات اشتعالية جاهزة، هي نتاج انهيار القوة بعد استخدامها لفك الاعتصامات وكذلك تداعيات قضايا تأجيل وإشكاليات تطبيق الأوامر والتوجيهات السامية، وقد ينزع فتيل تلك الأدوات أو يؤجلها، أداء وتعاطي الدولة مع المحاولات السابقة أو حالة أي عنف جديد قد يظهر للسطح في أي لحظة، والمسار الثاني، الإسراع في تطبيق التوجيهات والتوجهات السامية المعلنة التي تدخل في شهرها الخامس دون تطبيق كامل لها، فما يأمر به عاهل البلاد ـ حفظه الله ورعاه ـ ملزم التطبيق دون تسويف أو تبرير، بل وينبغي أن تنفذ في إطار برنامج زمني محدد ومعلن، وهذا لم يحدث حتى الآن، وهذا له تداعيات على النفسيات الاجتماعية العامة، حيث بدأت تبدي استياء مرتفعا من تطويل وماهية التطبيق، وتكمن خطورتها الكبرى أنها أخذت تتقاطع مع حالة احتقان شبابية حاولت مؤخرا التعبير عن نفسها بصور مختلفة، صحيح هي الآن منعزلة عن محيطها الاجتماعي بفعل الإصلاحات والتغييرات التي أعلنتها قيادتنا السياسية قبل بضعة أشهر، لكن ليس هناك ضمانة أكيدة لاستمرار عملية العزل بعد هذا التقاطع، من هنا، فإن التساؤل لم يعد يطرح الآن، هل ستلتقيان؟ وإنما متى ستلتقيان إذا ما استمر الوضع الحالي قائما ؟ وبالتالي، فإن التحدي الأكبر والعاجل الذي يواجه الدولة في الظرفية الراهنة يكمن في ضرورة الحيلولة دون حدوث هذا الالتقاء، لأن ذلك سيدخلنا في معترك عنف سطحي وفوقي غير محدد المعالم وإن كان مسرحه معلوم بالضرورة، وهو سيؤثر بالتأكيد على المرحلة الاستثمارية الواعدة التي ينتظرها اقتصادنا الوطني في انطلاقته الجديدة، ولا نبالغ إذا ما قلنا، بأن حالة الاحتقان الشبابية ـ المحدودة ـ تنتظر بفارغ الصبر مرحلة الالتقاء السالفة حتى تحظى بالشرعية الاجتماعية مجددا، وهنا ينبغي أن نتوقف عند هذا الحد في استشرافنا لخطورة الالتقاء في ضوء تفجر صور للعنف رغم محدوديتها، لأنها تعطينا صورة واضحة تماما لمشهدنا السياسي المقبل إذا لم نعتمد المسارين المزدوجين زمانا وأمكنة.
وأول خطوة ستكون في الاتجاه الصحيح لإدارة أزمة كبيرة قبل أن تقع، هي خطوة تشكيل لجنة خماسية مكونة من الحكومة ومن مجلسي الدولة والشورى ولجنة حقوق الإنسان وبعض الفاعلين الاجتماعيين داخل مجتمعاتنا المحلية - اقتراح سابق - تكون مهمتها البحث في الأسباب التي حالت دون تطبيق التوجيهات والأوامر السامية في الإطار الزمني المعلن والمتوقع، وكذلك العمل على تطبيقها مع الجهات الرسمية المختصة في إطار زمني سريع جدا، وفي حالة تشكيلها سريعا، سوف تبعث برسائل اجتماعية ايجابية عديدة، أبرزها، توفر إرادة سياسية جديدة وقوية للتطبيق بعد فشل الرهان على التعدد المؤسساتي للتطبيق، وسوف يتم عزل المحيط عن حالة الاحتقان، كلما كانت النتائج فورية وكلما كنا شفافين وصريحين في الكشف عن الأسباب التي تقف وراء التأجيل والتمطيط للعنصر الزمني للتطبيق، ومساءلة من يقف وراء ذلك، فهناك اعتقاد لدى أوساط النخب المثقفة بأن هناك خلفية قديمة من مصلحتها فشل المرحلة الراهنة بمتغيراتها السياسية والوزارية حتى تظهر للرأي العام مدى مركزيتها في التنمية، وربما تكون قد حركت أدواتها التي لا تقبع في مراكزها ومؤثرة تماما على صناعة القرارات، فهل يمكننا الذهاب بعيدا في هذا المعتقد الذي يلامس النفسيات والخلفيات الاجتماعية؟
مهما يكن، فإن ما أظهرته صور الحرق والتدمير - رغم محدوديتها- تجعلنا فعلا نطالب بالتشدد في تطبيق المسارين السالفي الذكر بصورة مزدوجة ، فلا يعقل أن تتم المعالجة الأمنية والعسكرية بمعزل عن إعادة النظر في آليات التطبيق وفي سرعتها، وكما قلنا في مقالات سابقة، فإن هيبة الدولة يجب أن تكون خطا احمر غير قابل للمساس بها أو الانتقاص منها، وفي الوقت نفسه، فإن الخيار التنموي والسياسي الجامع والشامل ينبغي أن يكون بمثابة السياج الضامن لهذه الهيبة، ودون هذا التكامل كيف يتأتى للهيبة أن تعتمد فقط على القوة الأحادية مهما كان رادعها؟ وهذا خيار لن يصلح في بلد كعمان .

د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات منشوره | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك