التعديلات الدستورية .. والديمقراطية التشاركية.
كتبهاد. عبدالله ، في 22 أكتوبر 2011 الساعة: 07:46 ص
العين .. الثالثة
كيف جاءت التعديلات الدستورية الجديدة التي كشف عنها يوم الأربعاء الماضي، هل لصالح مجلس الدولة (المعين) أم لصالح مجلس الشورى (المنتخب) أم جاءت لصالح الحكومة؟ وما هو موقع عاهل البلاد ـ حفظه الله ورعاه ـ في الحياة الدستورية الديمقراطية؟ وهل جاءت لتدير صراعا قبل اندلاعه؟ وهل قذفت صناديق الانتخابات بأعضاء في مستوى الصلاحيات الجديدة لمجلس الشورى؟ هل سنندم فعلا على خياراتنا واختياراتنا الانتخابية؟ كانت هذه التساؤلات تشكل لنا هاجسا مرتفعا قبل الكشف عن التعديلات، وقد طرحناها في عدة مقالات سابقة، فكيف إذن، جاءت التعديلات؟
خرجنا من قراءتنا الأولية للتعديلات الجديدة، أن هذه التعديلات تكرس تصورا ديمقراطيا ذات توجه استراتيجي لبناء مجتمع، ديمقراطي، ومتضامن، مجتمع مسئول مع الشريكين، الحكومة والقطاع الخاص، في رسم خريطة التنمية في البلاد، وهو ما يمكننا أن نطلق عليه ،،بالديمقراطية التشاركية ،، نعم، هي كذلك، اسم على مسمى، مع النسبية طبعا، بمعني أن المؤسسات الثلاثة، الحكومة، مجلسي الشورى والدولة، تقف على أرضية الشراكة شبه المتوازنة، لماذا لم تكن متوازنة بصورة كاملة ؟ لخصوصية وإكراهات الظرفية الراهنة، وربما لتحصين انتقالنا الديمقراطي، وربما بعد تفعيل بعض مواد النظام الأساسي خاصة تلك التي تتحدث عن رئيس مجلس الوزراء، من هنا أطلقنا على التعديلات الدستورية الجديدة بأنها تؤسس لنا ديمقراطية تشاركية، لا استفراد جهة دون أخرى مع جعل جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ سلطة فوق السلط لتقرير كفة هذه الشراكة، وهناك أكثر من مادة تدلل على توصيفنا السالف الذكر، لعل من أهمها، القراءتين المتتاليتين لمشاريع القوانين، تكون القراءة الأولى لمجلس الشورى في أجل زمني مدته ثلاثة اشهر، وخلال هذه الفترة، على مجلس الشورى إما إقرار المشاريع القانونية أو تعديلها والثانية، لمجلس الدولة في أجل زمني مدته خمسة وأربعين يوما، وفي حالة اختلاف القراءتين، يتم عقد جلسة مشتركة للمجلسين لمناقشة أوجه الاختلاف، وخلال هذه الجلسة يتم التصويت على تعديلات القوانين وإقرارها، ولابد أن يتم ذلك بالأغلبية المطلقة التي تعني تجاوز نسبة (50% ) بأية نسبة مئوية كأن يكون (51%) مؤيدا أو معارضا مقابل (49%)، وهذا أفضل مثال على ما نقصده بالديمقراطية التشاركية، وحتى بالنسبة للحق الحصري لمجلس الشورى دون غيره في مجال اقتراح القوانين مرتبط كذلك بالشراكة، لأن مثل هذه القوانين سوف تخضع لنفس إجراءات مشاريع القوانين المقدمة من الحكومة، وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن هذه الشراكة من زوايا علاقة مجلس الشورى مع الحكومة وحتى مع سلطتنا السياسية ، وهذا النوع من الديمقراطية تمليها ضرورات تحصين انتقالنا الديمقراطي من ذواتنا ومن الخارج معا ، وهذا يعني من جهة ثانية أي الاصلاحات التشريعية قابلة للتطور والتعديل وفق ما تقدمه الممارسة الديمقراطية من أداء وطني مسئول يغلب مصلحة الوطن فوق مصلحة المواطن، ومصلحة المواطن فوق مصلحة عضو مجلس الشورى وبالذات في مجالي التشريع ومحاسبة الوزير، ويبدو لنا أن هذا التصور الديمقراطي التشاركي الجديد قد تم صياغته بوعي رفيع للاكراهات الداخلية والخارجية التي تحدثنا عنها في عدة مقالات والتي قد تجنح بمجلس الشورى نحو مسارات فكرية، وبذلك تكون التعديلات الجديدة قد جنبتنا مسبقا صراع بل صراعات متوقعة كثيرة من خلال الشراكة التشريعية بين المجلسين، الشورى والدولة، وفي الوقت نفسه حافظت على مركزية جلالة السلطان المعظم في التشريع والرقابة، ويتجلى لنا ذلك من خلال احتفاظ جلالته بسلطة اعتماد القوانين والخطط التنموية والاقتصادية أو من خلال حقه في حل مجلس الشورى وكذلك اعتباره سلطة حاكمة فوق السلطات سواء كانت الحكومة أو مجلسى الشورى والدولة، فلو أخذنا صلاحية استجواب الوزراء، فقد اجازت التعديلات الجديدة لمجلس الشورى بناء على موافقة (15) عضوا من أعضائه (84) استجواب أي وزير من وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم، وبدلا من أن يعطي لهم حق حجب الثقة عن الوزير مباشرة، يمكن لمجلس الشورى رفع نتيجة ما يتوصل اليه مع الوزير الى جلالة السلطان، وهنا تتجلى لنا مركزية السلطان واضحة تماما، كما أن هذه المركزية لم تصادر حق الأعضاء في حجب الثقة، لكنها تؤجلها لجلالته لتقريرها من أعلى سلطة سياسية في البلاد، فمن الطبيعي أن يتم حجب الثقة عن الوزير إذا ما تمخض عن الاستجواب وجود حجج ودلائل على الإدانة، وبالتالي، فلسنا مع الآراء التي قد تستبعد حجب الثقة عن الوزير في حالة إدانته، بل أننا نرى أنه لمجرد دعوة الوزير للاستجواب، فإن ذلك يشكل تمهيدا إما لحجب الثقة عنه أو لتأكيدها، من هنا نرى، أن وسيلة الاستجواب تعد من بين أهم وسائل الرقابة على الأداء الحكومي الخدماتي، وهذا يعد إنجازا تاريخيا في حد ذاته بمعزل عن بقية الإنجازات الأخرى، فهل الأعضاء مؤهلين لممارسة هذا النوع من الرقابة؟ وهل سيتم تفعيلها حتى تصبح وسيلة ردع مسبقة لكل من تسول له نفسه استغلال منصبه؟
نجد الإجابة واضحة تماما في بعض الشروط الجوهرية الجديدة التي تنظم عملية استحقاق حق الترشيح للانتخابات، حيث تشترط مؤهل دبلوم التعليم العام كحد ادنى للمؤهل التعليمي، وماذا يعني ذلك ؟ يعني أن مستوى المؤهل للمرحلة التشريعية والرقابية هام جدا، ويعني كذلك، أن عدم وجود هذا الشرط في الانتخابات الماضية كان خطاء كبيرا، ويعني كذلك، أن ما طالبنا به من تأجيل الانتخابات لمدة عام واحد فقط كان ينبغي الأخذ به حتى تنضج الرؤى والأفكار للمرحلة الجديدة، لأن التطورات التي جاءت بها التعديلات الجديدة تؤشر منذ الإعلان عنها، أننا في مرحلة ديمقراطية ليست كالمراحل السابقة، وأنها تتطلب أعضاء من نوع خاص، وبموصفات خاصة، ليس ضروريا أن يدفع بها المجتمع من تلقاء نفسه، وإنما علينا إيجاد التشريع والضوابط التي توجه خيارات ومسارات الترشيح والترشح للانتخابات، فلما تركناها دون ذلك، فماذا انتجت لنا؟ أفرزت نخب ما دون الدبلوم العام بل وبالإعدادية على مستوى عموم مناطق ومحافظات البلاد، وفتحت للمال يشتري الأصوات، فمن المسئول؟ المسئولية مشتركة، لا يمكننا أن نحملها المجتمع لوحده الذي لا يزال معظمه أو نصفه غارقا في ثقافة انتخابية لم تعد صالحة لزماننا ومكاننا، ن نحملها ا
والخوف كل الخوف أن يوظف المال في انتخابات رئيس المجلس ونائبيه، فهل من يستدرك الأمر؟ وهل يمكن تصحيح الخطأ؟ لماذا لم يتم تأجيل الانتخابات حتى صدور التعديلات الجديدة؟ ماذا سنخسر لو تم ذلك؟ فخسارتنا الآن أكبر من عدم التأجيل، فأي تشريع وأي رقابة نتوقعها في ضوء ظروف ومعطيات الترشيح والترشح السابقة؟
د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات منشوره | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















