قراءة معمقة .. في التعديلات الدستورية .
كتبهاد. عبدالله ، في 24 أكتوبر 2011 الساعة: 07:53 ص
العين .. الثالثة
لا نزال عند توصيفنا السابق لماهية ونوعية الديمقراطية التي نقلتنا إليها مؤخرا التعديلات الدستورية الجديدة على النظام الأساسي للدولة، وهي، ديمقراطية تشاركية ،، بعضها استشارية وبعضها تحمل الصفة إلالزامية، وهنا يظهر وكأننا لم نغادر المرحلة الاستشارية بصورة نهائية أي كاملة، وفي حالات تظهر الصفة التشاركية الالزامية مناصفة مع مجلس الدولة، وهذا تعبير مباشر عن الصفة الالزامية أو التقريرية لإرادتين مختلفتين تماما، أحدهما، منتخبة من المواطنين ويمثلها مجلس الشورى والأخرى معينة تعبر عن السلطة ويمثلها مجلس الدولة. هل هناك من مبررات وطنية في المرحلة الراهنة لازدواجية الصفتين،، الاستشارية والالزامية،، في انتقالنا الديمقراطي؟
بعد قراءتنا الثانية للمادة ،، 58،، مكرر (40) خرجنا بتساؤلين هامين جدا، وهما، لماذا لم يعترف لمجلس الشورى بحق تعديل الموازنة العامة للدولة والخطط التنموية؟ وهل أجل (30) يوما لمجلس الشورى و(15) لمجلس الدولة مدة كافية لدراسة ومناقشة الميزانية السنوية والخطط التنموية؟ وهنا، علينا توضيح مسألة فنية في غاية الأهمية، وهي أن مناقشة الميزانية والخطط قبل وبعد اعتمادها تعتبر من بين أهم وسائل الرقابة البرلمانية الهامة على صنع وتنفيذ السياسات المالية والميزانية السنوية، إذن، هناك، إشكالية كبيرة تعترض انتقالنا الديمقراطي الجديد الذي جاء أساسا في ظرفية سياسية معقدة جدا ليمكن مجلس الشورى من الرقابة على أعمال وتصرفات الحكومة بعد أن اعتمدنا طويلا على رقابتها الذاتية، فماذا كانت النتيجة؟ انفجار الشباب وتمركز الثروات في أيدي أقلية محلية ومجموعة شركات عالمية، وظهور حالات فساد معلنة، وجاء كذلك للاعتداد بدور مجلس الشورى التشريعي في عصر العولمة حتى لا تسحق مصالح المواطنين بسبب طغيان مصالح الشركات المحلية والعالمية، وأفضل مثال نقدمه هنا، المادة ،، 106،، من قانون العمل العماني ـ قبل تدخل النقابات لتعديلها ـ وقد تكلمنا عنها في عدة مقالات، فهذه المادة كانت تعتبر المواطنين بمثابة أجراء أو أجانب في وطنهم، وهذا يؤكد أهمية التمكين التشريعي والرقابي لمجلس الشورى تحديدا وتخصيصا، لأنه الصوت الذي كان غائبا طوال الفترة الماضية، فالمواطنون يختارون أعضاءه بعد كل أربع سنوات ليعبر عن رأيهم وليراقب أداء الحكومة، فهل الصفة الاستشارية لأراء مجلس الشورى على الميزانية والخطط يمكن أن نجد لها مبررا موضوعيا؟ ربما علينا القول صراحة، أنه كان ينبغي الانفتاح كثيرا باتجاه هذا النوع من الرقابة على الشؤون السياسية والمالية والخطط التي تضعها الحكومة عبر إعطاء توصيات مجلس الشورى على وجه الخصوص صفة إلزامية أو تشاركية مع الحكومة، لأننا نتحدث في هذه الجزئية الهامة عن صناعة مستقبلنا الاجتماعي وفق ثلاثة رؤى زمنية هامة جدا، هى، قصيرة الأجل، وتعبر عنه الميزانية السنوية، والأخرى متوسطة الأجل، ومدتها الزمنية خمس سنوات، وتعبر عنه الخطة الخمسية، والأخيرة، طويلة الأجل، وقد تصل لعشرين عاما، وتمثله ،، عمان 2020،، فما الحكمة من الصفة الاستشارية لتوصيات مجلس الشورى على غرار مجلس الدولة؟
وحتى يمكننا أن نبرز أهمية الرقابة الإلزامية لمجلس الشورى على السياسات المالية والخطط التنموية، يمكن القول هنا، أن هناك نوعين من الرقابة، الأولى، الرقابة على علميات صنع الميزانية السنوية، وهى ما تسمى بالرقابة قبل الصرف، فالحكومة عندما تقدم موازنتها لمجلس الشورى لمناقشتها، فإنه يقوم أي المجلس بفحص ومراجعة الموازنة بهدف التأكد من ثلاثة عناصر رئيسية، الأول، أن الحكومة لم تقم بفرض ضرائب جديدة على المجتمع دون الرجوع إليه، كالضريبة المباشرة التي يقال أنها كانت من المفترض أن تطبق في جميع دول مجلس التعاون الخليجي بما فيها السلطنة منذ 2007، ومؤخرا عاد الحديث عنها بقوة، فلو طبقت هذه الضريبة في بلادنا لكانت بمثابة (زلزال ) على أوضاعنا الاجتماعية، من هنا كان ينبغي أن تعطي لمجلس الشورى الصفة الإلزامية في هذه الجزئية الوطنية الهامة جدا حتى نكبح جماح تدخل البنك والصندوق الدوليين في بلادنا، والثاني، إن النفقات التي سوف تقوم بها الحكومة على مدار العام تتوافق مع أولويات المجتمع وتلبي الاحتياجات التنموية في القطاعات المختلفة من تعليم وصحة وإسكان ومياه وشرب وصرف صحي، والثالث، ان المستوى المخطط للفرق بين الإيرادات والنفقات التي سوف تقوم بها الميزانية على مدار العام يتفق مع ما يراه مجلس الشورى، ومن خلال هذه الرقابة بثلاثيتها السالفة الذكر سوف يعمل أعضاء مجلس الشورى على ضمانة مصالح المجتمع في أية ميزانية سنوية قبل تطبيقها، وبعد تطبيقها - وتمسى هذه الأخيرة بالرقابة بعد الصرف، وكذلك تسمى بالرقابة على عملية تنفيذ الموازنة، وهو النوع الثاني والهام من الرقابة، ففيها سوف يقوم المجلس من التأكيد على عنصر أساسي هو، تحليل الفجوة بين مستوى الإنفاق الفعلي والإنفاق المخطط، وأسبابها، للتحقيق من أن تلك الفجوة لا ترجع الى انحرافات مالية ـ أي فساد ـ من هنا، كان ينبغي أن تأخذ توصيات مجلس الشورى على الميزانية والخطط التنموية صفة الإلزام أو شبه الإلزام، ويكون عاهل البلاد ـ حفظه الله ورعاه ـ الحكم في حالة الاختلاف بين الحكومة ومجلس الشورى، فالاختلاف وارد وحتمي نظرا لاختلاف رؤى الطرفين تبعا لمواقعهما الوظيفية، الأول من موقع المصلحة الاقتصادية التي تتحكم فيها قوى اقتصادية مؤثرة على صناعة الميزانية والخطط التنموية، وتاريخنا شاهد عيان على ذلك، خاصة وأن عصر الاجتهاد الحكومي قد ولى، وأصبحت الشراكة الثلاثية هى صمام الأمان للاستقرار وديمومته، والثانية، من موقع المصلحة الاجتماعية التي بسببها تم اختيار الأعضاء للدفاع عنها، فكيف إذن، تكون توصيات مجلس الشورى على الميزانية والخطط التنموية استشارية، قد تؤخذ وقد لا تؤخذ بها الحكومة، وحتى آلية بيان الأسباب التي تحول دون الأخذ بكل أو بعض التوصيات تفتقد لعنصر التفعيل والديناميكية، فماذا بعد الرفض المسبب ؟ ليس هناك من وسيلة في يد مجلس الشورى للتحرك الايجابي بأي صورة من الصور بعد هذا الرفض, إذن، لا نزال في المرحلة الاستشارية في هذه الجزئية الهامة جدا رغم ان المرحلة تحتم الاعتداد بتوصيات مجلس الشورى على الميزانية والخطط من موقع شراكته الجديدة في الدفاع عن المصالح، وهذه الحتمية تفرض كذلك تمطيط فترة مناقشة الميزانية والخطط التنموية، فالثلاثون يوما لن تجعل المناقشة معمقة، وبالتالي لن تكون التوصيات معبرة عن كل مصالح المجتمع في مختلف القطاعات، فكيف (15) يوما لمجلس الدولة؟ والتساؤل الكبير الذي يطرح ختاما، هو، الى أي مدى انتقلت تجربتنا الديمقراطية من مرحلتها الاستشارية إلى مرحلة الشراكة الإلزامية أو التشاركية؟ الإجابة مفتوحة.
د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات منشوره | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















