مبررات قيام .. هيئة لإدارة الأزمات الوطنية.
كتبهاد. عبدالله ، في 23 يناير 2012 الساعة: 07:41 ص
العين .. الثالثة
ماذا فعل التغيير الوزاري للمواطن حتى الآن؟ تكمن مشروعية طرح هذا التساؤل في الظروف والمعطيات التي ولدت التغيير ذاته، وكذلك من حيث حجم التغيير وماهيته وخلفياته، فالاعتقاد الاجتماعي يذهب الى أنه أي التغيير قد جاء لإدارة مرحلة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه وحرياته منقوصة، شعور علينا الاعتراف به مهما كانت حقيقته، ومهما كانت شفافيته، ومهما كانت حساسية الظرفية الراهنة ببعديها الداخلي والخارجي، النقص هنا وفق الاعتقاد الاجتماعي لا بسبب عدم وجود الأموال اللازمة حتى يمكن التقدير، وإنما بسبب أداء بعض الفاعلين السابقين الذين شرفوا بمنصب المسئولية الاستوزارية ولم يؤمنوا للمواطن حقوقه وحرياته الأساسية.
وهناك مجموعة مؤيدات لهذا الاعتقاد الاجتماعي، قديمة وحديثة، أبرزها، حق العمل، الذي كان سابقا يتعامل معه برؤية ضيقة التنظير والتطبيق وبمفاهيم خاطئة، فتكدست أعداد الباحثين عن عمل حتى انفجرت في لحظة عربية انشطارية لم تسلم من ارتداداتها أي عاصمة عربية، ولما تغيرت الرؤية والمفاهيم، انكشفت الحقيقة، ورأينا الواقع كما يجب على مختلف الأصعدة ، فأمطرت الحلول لتصحيح الاختلالات الناجمة عن الرؤية الضيقة والمفاهيم الخاطئة والمغلوطة، ليس مهما هنا السبب الكامن وراء ذلك ، وهل عن قصد أم عدم وعي وأم عن نقص في الكفاءات الاستوزارية ( أنذلك ) الأهم هنا النتيجة التي قادتنا الى تغيير الرؤية والمفاهيم التي كانت على أساسها تبنى السياسات والاستراتيجيات، وإذا أردنا أن نستدلل بمؤيدات تعكس صدقية طرحنا، فلنأخذ على سبيل المثال، ميزانية العام الحالي 2012، التي توفر (36) ألف فرصة عمل في الوحدات الحكومية، المدنية والعسكرية، و(2000) فرصة عمل في الشركات الحكومية، فكم كانت الميزانيات السابقة وتحديدا منذ تطبيق الرؤية الاقتصادية 2020، توفر من فرص عمل لشبابنا ؟ ولو كانت توفر فرص عمل بنفس آلية الميزانية الجديدة، وبنفس الإرادة السياسية التي ضخت (50) الف فرصة عمل في فترة زمنية قصيرة جدا، ولنفس المبدأ السامي والاصيل الذي انبثق عنه راتب باحث عن عمل (150) ريالا شهريا ( ..) هل كانت ستعاني بلادنا من أزمة باحثين عن عمل ؟ وهل كانت هذه الأزمة ستشكل احد مفاصل عدم الرضا الاجتماعي؟ والشئ نفسه يمكن أن يقاس على الحق في التعليم الجامعي، حيث تمت زيادة الطاقات الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي، والإعلان عن جامعة حكومية جديدة يقال إنها لا تزال في طور الدراسة رغم المدة الزمنية الطويلة نسبيا عن الكشف عنها، فلماذا لا يكون كل ذلك في السياق الطبيعي لعمل المؤسسات الحكومية عوضا أن تكون نتيجة إكراهات محددة؟ السبب دائما يكمن في أداء بعض الفاعلين السابقين الذين أكدوا عجزهم تماما حتى في ترجمة التنظيرات والأفكار الاجتماعية وحتى التوجيهات الفورية لعاهل البلاد ـ حفظه الله ورعاه ـ ولو عرفت النور لما شهدنا تلك الاعتصامات التي غيرت المفاهيم والرؤى، ولما وصل بنا الأمر إلى مستوى التشكيك في الذات الواحدة بسبب استدعاء حالات فردية في شأن عام، بحيث لم نعد نفرق بين الحق العام المجرد والحق الفردي المسيس، وكان في مرحلتهم تعد إضافة ثلاثة الريالات على راتب الضمان الاجتماعي إنجاز يتحدثون عنه آنذاك وتتفاخر به وسائل إعلامنا في حينها، قفزا فوق وعي مجتمعنا، فهل تغير الوضع؟ وماذا نسمى رفع علاوة التدريس التي يقال إن الزيادة في بعضها يصل الى ثلاثة ريالات؟ لن نجعل التساؤل الأخير يبعدنا كثيرا عن التساؤل الاستراتيجي الذي تصدرنا به المقال رغم ضغوطاته ورغم استفزازاته ورغم ما فيه من إثار تراكمية تشعرنا بالخجل من أنفسنا لاستسلامنا للصمت في مرحلة ينعدم فيها التمييز بين أداء الوزير وبين المؤسسة التي يديرها وحتى بين النظام نفسه، هذا الخلط القسري قد جعل للوزير مكانة وحصانة فوق القانون وفوق المساءلة، فالتساؤل الاستراتيجي كبير والإجابة عنه لا تخلو من ايجابيات وسلبيات معا، لكن، ما حجم أي منهما؟ إذا احتكمنا للرضا الاجتماعي لأداء الفاعلين الجدد ونتائجه، فإن المواطنين كانوا يتوقعون منهم أكثر مما تحقق، لأن المواطن يعتبرهم ،، وزراء أزمة ،، كانوا يتوقعون منهم دفع الأمور نحو زيادة المرتبات، وكذلك تغيير نظام تقاعد الخدمة المدنية، وعودة العلاوات الفنية التي سحبت من القطاعات التي لها طبيعة عمل خاص وكذلك ورفع الحد الأدنى للأجور للبلاد إلى (400) ريال بدلا من (140) ريالا فقط .. الى غير ذلك من القضايا التي لم يقتربوا منها حتى الآن مما تركوا للصمت الطويل يؤول بالسلبية رغم أنه قد يكون وراءه مفاجأة لتطورات مقبلة على تلك الأصعدة، وحتى الاعتقاد بالسلبية له ما يبرره، فلم نسمع عن مراجعة للرؤية الاقتصادية 2020 ولا عن بعض السياسات التي بنيت على أساس تلك المفاهيم والرؤى المغلوطة، لكي نصحح ما يجب تصحيحه سريعا وفق المفاهيم والرؤى الجديدة، وإنما انتهج الفريق الحكومي نهج سابقيه، وسار على خطاهم، بدأ لنا وكأنه أمين مخلص لتطبيق كل ما خططوا له واستمروا في تنفيذ كل مرئياتهم، ولولا التدخلات السامية التي أحدثت نقلة نوعية وكمية في الكثير من المجالات، لكنا في نفس النقطة التي لم ننطلق منها.
ماذا يعني ذلك ؟ يعني أنه لابد أن إقامة هيئة لإدارة الأزمات والمخاطر بصورة عامة والأزمات الاجتماعية بصورة خاصة، هيئة متخصصة تضم كفاءات من مختلف التخصصات العلمية وذلك من أجل إدارة الأزمات قبل أن تقع حتى لا تقع، وحتى تتعامل مع الوقت والمكان كفاعل وليس مفعول بها، لأنه في حالتنا الراهنة يشكلان الزمن والمكان أحداث قد يكون لها الأولوية أكثر من المعطيات نفسها، لاقتناعنا بأن الأزمات لا تتكرر بنفس السيناريوهات كما أنها لا تتشابه كذلك، من هنا لابد من وجود إدارة متخصصة ومتفرغة حتى لو لم تكن هناك أزمة منظورة، وإنما كتوجه استراتيجي ثابت من أجل الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في بلادنا، ولن يتأتى لنا ذلك في عصر لم يعد عصر السبعينيات والثمانينيات، وإنما هو عصر الأزمات والمخاطر الداخلية والخارجية، أزمات عابرة الحدود، تكتسي صفة الكونية وقد تتقاطع معها أجندة بعض القوى الداخلية استغلالا لحالة عامة هنا أو هناك، فمن ينبغي إذن إدارة عصر هكذا أزماته ؟ هل الفريق الحكومي الذي من سماته عدم الثبات أي التغيير ومن سماته كذلك التركيز على الأزمة بعد أن تقع وليس قبل أن تقع ؟ ومن سماته كذلك أن حلوله للازمات محدودة وسطحية ، وأحيانا تكون بمثابة مسكنات .. وكما أوضحنا في مقال سابق ،، إدارة الأزمات .. في بلد كسلطنة عمان ،، أن مرحلة التصدي المرتجل والتعامل بطرق غير مدروسة مع الأزمات قد ولت إذا ما أرادت الدول الحفاظ على مكتسباتها وعلى تماسكها … فلابد من هيئة لإدارة الأزمات والمخاطر متخصصة وتضم كفاءات وطنية ، فالقادم أخطر من السابق في مجال الأزمات الطبيعية وغير الطبيعية ، ومن بينها الاجتماعية.
د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات منشوره | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















