Yahoo!

الاتحاد الخليجي .. بين الواقعية والطوباوية.

كتبهاد. عبدالله ، في 15 فبراير 2012 الساعة: 07:54 ص

العين .. الثالثة

تلقينا ردود فعل عديدة ومتباينة على مقال سابق حمل عنوان ،، أيها الخليجيون .. تعلموا من أخطائكم ،، لن نتوقف عند الردود الايجابية، ولا الاتصالات الرفيعة المستوى المباركة لما جاء في المقال، وإنما استوقفنا كثيرا التباس حول موقفنا من قضية الاتحاد الخليجي، وقد جاءت من لدن شخصية بارزة لها تطلعات حالمة تتجاوز المكان والزمان، وتحمل هاجسا إنسانيا عابر الحدود، فمن بين ما كتبه لنا العبارة التالية التي تحمل توضيحا وعتابا: من أمثالكم لا ينتظر منه إلا دعم الوحدة مهما كانت الملاحظات والمهددات ونوايا الغير، إذ لا مفر لأهل الخليج إلا الوحدة وإلا عليها السلام ،،
ويقابل هذا الرأي رأي آخر وصلنا من صديق له نفس التطلعات، يعقب على المقال بالعبارات التالية: إن دول الخليج سينتهي أمرها إذا لم يكن هناك صدق في توجهها نحو الاتحاد ….. بسبب المخاطر الكبيرة التي تهددها والتي أهمها على الإطلاق اختلال تركيبتها السكانية، حيث إن جميع أهل الخليج باستثناء عمان أصبحوا أقلية في بلدانهم.. الخ ولم نجد في مقالنا ما يحتمل الاختلاف مع هذين الرأيين، حيث لم يكن ذلك المقال سوى أننا كنا نفرق بين حلمين مختلفين تماما للوحدة الخليجية، حلم واقعي أصيل - لا مجال الاختلاف حوله - وحلم طوباوي خرج من رحم المخاوف الأمنية، فلا يمكن لنا أن نطبل له بمجرد التلويح به سياسيا، فالحلم الواقعي للوحدة الخليجية تفرضه معطيات طبيعة القواسم المشتركة الجامعة لكل أهل الخليج من الكويت الى مسقط، وهى الدين الإسلامي واللغة، والأسر الواحدة والمتقابلة، والعادات والتقاليد، ووحدة المصير في مواجهة التحديات والتهديدات، الداخلية والخارجية، فلو جاءت فكرة الوحدة على أساس هذا الحلم الواقعي، فسوف تتفجر قريحتنا له بالشعر طربا وليس مقالا، لكننا نراه حلما طوباويا، قد أنتجته المخاوف الأمنية الآنية، فإذا زالت أي من هذه المخاوف - في أي لحظة- فسوف تزول فكرة الوحدة بصورة تلقائية، مثل حلم ضم الأردن والمغرب لمنظومة دول مجلس التعاون الخليجي الذي تبخر بعدما تغيرت فكرة الضم بخلفيتها الأمنية، فأين موقع الحلم الواقعي للاتحاد الخليجي الذي ستكون الدول الست بجميع مكوناتها داعمة له وفق بنيات تحتية فوقية ؟ وتظل الكونفيدرالية الخيار الواقعي الأمثل للظرفية السياسية المعاصرة، لأننا لا يمكننا تصور قبول حكام الخليج ذوبان حكمهم في حكم واحد وفق نظام الفيدرالية، فالوحدة الخليجية المنشودة هى معا أمنية وتنموية معا، وكذلك مسير ومصير معا، وحدة ينبغي أن تحقق التنمية المتوازنة بين الدول الست، وتحقق المستوى المعيشي المتساوي بين شعوبه حتى تزول الفوارق التنموية والمعيشية، وتحقق الاندماج الاجتماعي، ليكون القاعدة الصلبة التي ينطلق منها الاتحاد الخليجي، ولم تنتج لنا مسيرة التعاون الخليجي الطويلة حتى الآن نخب لديها حلم بالوحدة الخليجية الواقعية، ربما علينا الانتظار متفائلين ، وفي المقابل علينا أن نحفز أهل الخليج للضغط على الأنظمة لتحقيق هذا الحلم الواقعي، ومن هنا نقول إن حلم الوحدة الخليجية ليس ضرورة لأهل الخليج فحسب - إذا انصرف الفهم هنا الى المواطنين - بل ولأنظمتها كذلك ليس بسبب الاختلال السكاني، وإنما بسبب إكراهات المرحلة المقبلة، وهى مرحلة آتية لا ريب فيها ، خاصة إذا ما نجحت أميركا وأوروبا في إسقاط نظام بشار الأسد الذي تتكالب عليه حاليا قوى إقليمية وعالمية بصورة غير مسبوقة، وبصورة غير عقلانية، وصل بالرئيس اوباما الى حد ان اعتبر سقوطه مجرد أيام فقط، فسقوطه هنا مسألة افتراضية للزوم التحليل الاستقرائي، وذلك حتى نصل الى طرح التساؤل التالي، من سيكون عليه الدور التالي بعد سوريا؟ علينا أن نبحث عن التالي المستهدف داخل منطقتنا الخليجية، فمنها لن تنسى واشنطن أن مفجري اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر قد خرجوا منها، ولن تنسى كذلك أن إيديولوجيا المنطقة وخاصة المتشدد منها تنتج مشاريع تفجيرية أخرى، ولن تنسى، وكيف تنسى، أن من هذه المنطقة يتم تمويل الحركات التحررية من منظورنا الإيديولوجي، والإرهابية بالتعريف الصهيوني، ولن تنسى أنه بعد سقوط الانظمة العربية التقليدية كسوريا وشل قدرة الحركة الإيرانية سوف تفتح لها الأبواب والنوافذ جميعها وعلى مصاريعها لتنفيذ استراتيجيتها المعلنة منذ عهد شمعون بيريز لتقسيم الشرق الأوسط، التي فيها سيناريوهات، لاختفاء دول، وتقسيم أخرى، وولادة دول جديدة، من أجل تفتيت المنطقة وتقزيمها الى دويلات حتى يظهر الكيان الإسرائيلي الدولة الوحيدة القوية في المنطقة والمسيطرة عليها، وقد تظهر الأماكن المقدسة في المنقطة كوضعية الفاتيكان في أسبانيا، دولة روحية مستقلة محاصرة داخل دولة سياسية علمانية، من هنا تظهر الوحدة كخيار استراتيجي لجميع الأنظمة الخليجية القائمة حاليا، قبل أن تكون ضرورة اجتماعية لأهل الخليج، فوضعية منظومتنا الخليجية هشة بحيث لن تحول دون استهداف أي دولة منها، صغيرة أم كانت كبيرة، مما قد يشكل لها الاتحاد قوة، لكننا لا نريده اتحاد ردة فعل لمخاوف أمنية، يزول بزوالها، وتعود الخلافات والصراعات من اجل متر هنا وهناك، وإنما الفعل بذاته التي تجعل من الدول الست مجتمعة تشكل مجموعة واحدة ضد أي استهداف فردي أو جماعي، سواء جاء هذا الاستهداف من المنطقة نفسها أم من أميركا، ولا نعتقد أن فكرة الاتحاد قد جاءت من رحم هذه الرؤية، ولا من رحم الاختلال السكاني، وإنما كرد فعل على اختلال معادلة الأمن في الخليج لصالح إيران بعد سقوط نظام صدام التي شارك فيه الخليج بغباء سياسي تحت ضغط كبير كان ينبغي (سياسيا) لا يقع فيه رجل السياسة.
وكل من يحلل خطاب الرئيس الفرنسي ساركوزي الأخير خاصة اعترافه بارتكاب أخطاء في سياسة بلاده مع العرب، سوف يتضح له طبيعة الفكر والتوجهات التالية للخليج بعد سوريا، والخطأ الذي اعترف به ساركوزي يكمن حول تعامله مع أنظمة ديكتاتورية مثل زين العابدين بن علي والقذافي وحسني مبارك - على حد اعترافاته - ويبرر تعامله مع هذه الأنظمة بالصالح الفرنسية العليا، وهذا مبدأ ميكيافيللي خطير، قد سقط فيه ساركوزي راميا بكل المبادئ والقيم بما فيها مبادئ الثورة الفرنسية عرض الحائط من أجل المصالح، غير ان اعترافه يعكس لنا استدراكا للقيم من أجل المصالح نفسها، فالقيم والمبادئ تتكيف من أجل المصالح نفسها، وهذا ما لمسناه كذلك في تصريحات ساركوزي، وذلك عندما أكد أن الإدارة الفرنسية لم تنجح في تقييم مشاعر الشعوب العربية وردة فعلها تجاه حكامها الديكتاتوريين، ويعترف كذلك، بأن اندلاع الربيع العربي فرض مجددا أجندة الديمقراطية وحقوق الإنسان في عمل الدبلوماسية الفرنسية، فهل سيكون الخليج في منأى من هذه الأجندة ؟ والمفارقة الكبرى التي تدهش المراقب والتي تتقاطع مع ما يحضر للخليج بعد سوريا، هو مطالبة بعض الوحدات الخليجية نظام الرئيس الأسد بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية والتنحي عن السلطة، فهل ستقبل بذلك عندما يأتي عليها الدور آجلا وليس عاجلا ؟
… للموضوع تكملة.

د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات منشوره | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الاتحاد الخليجي .. بين الواقعية والطوباوية.”

  1. مقال رائع
    فقط هناك معلومة أتت غير صحيحة لكنها لم تغير المغزى من طرحها وهي أن الفاتيكان دولة في إيطاليا وليس اسبانيا.. أعرف أنه خطأ غير مقصود وأحببت التنويه له بعد شكرك على الطرح المنطقي فيما ورح في مقالك.
    لا أعتقد أن أي حاكم خليجي يرغب في الوحدة الآن حتى وإن حل به ما حل بالقذافي لأن الخوف لايزال يخيم على العلاقات الخليجية الخليجية

  2. صديقي العزيز اشكرك على التصحيح .. وشكرا كذلك على تواصلك معي . مع فائق تحياتي .



اكتب تعليــقك