هل نترك القاهرة للابتزاز الأميركي؟ (1)
كتبهاد. عبدالله ، في 20 فبراير 2012 الساعة: 08:34 ص
لعين .. الثالثة
إن ما يجري بين مصر وأميركا من جهة، وكذلك بين البحرين وأميركا من جهة ثانية، هو ما كنا نحذر منه منذ بضعة أشهر سواء من خلال مقالاتنا الصحفية أو في لقاءاتنا الإذاعية والتليفزيونية، نحذر من خطورة مؤسسات المجتمع المدني التي تنشئها أميركا في المنطقة أو تلك التي تمولها وتدعمها بالمال والخبرات الفنية، محاولين من خلالها أن نرفع الوعي الاجتماعي عامة والناشطين خاصة بالسم الذي تضعه واشنطن في هذه المؤسسات، فسمها قد تم اكتشافه في القاهرة والمنامة، لكن، بعد مرحلة متأخرة جدا، لن يجدي نفعا مداهمة (27) منظمة غير حكومية في مصر، ولا اتهام المنامة (22) مؤسسة بالتواطؤ مع واشنطن ودولة خليجية.
تصوروا هذه الأعداد الكبيرة التي كانت تعمل داخل المجتمعين المصري والبحريني، وخاصة هذا الأخير لصغر حجمه، لماذا تقدم دول كبرى كواشنطن على فتح فروع لمؤسساتها في الخارج؟ ولماذا تنفق أموالها على مؤسسات المجتمع المدني غير الأميركية داخل بلدانها؟ ربما كان عليها أن تنفق هذه الأموال على فقرائها الذين يتجاوزون (47) مليون أميركي، من هنا، فإن معرفة الإجابة على التساؤلين السالفي الذكر ينبغي أن يزداد إلحاح لدى الرأي العام، وينبغي كذلك أن يكون وبقوة عند كل ناشط وفاعل يدير أو عضو في أية مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، والإجابة قد أوضحناها في مقال سابق، وهى تكمن في اعتقاد الساسة الأميركان بأن واشنطن يمكن أن تسيطر على المجتمعات ومن التأثير على صناعة القرار من خلال سيطرتها على مؤسسات المجتمع المدني، لأن هذه المؤسسات قد أصبحت شريكا ثالثا بعد الحكومة والقطاع الخاص، وبالتالي، فمن ينشئها وينفق عليها ويديرها بالضرورة سوف يسيرها ويوجهها وفق أجندته، وهذا ما اتضح لنا من خلال ثورة (25) يناير في مصر، فالتحقيقات قد كشفت عن قيام واشنطن بتقديم حجم كبير من التمويل لمنظمات مصرية وأميركية تعمل في مصر في أعقاب هذه الثورة على نحو يفوق عدد مرات ما كانت تقدمه لهذه المنظمات من قبل، لماذا ؟ مجرى التحقيقات المصرية كشفت بأن الهدف يكمن في احتواء الثورة المصرية وتوجيهها لخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية بعد أن تفاجأت واشنطن باندلاعها، وهذا يظهر لنا ضعف القدرة الأميركية ومؤسساتها في التنبؤ بالأزمات، وهذا ضعف أصيل ومتأصل في بنية فكرها الاستراتيجي، لأن هذا الضعف قد حدث معها أثناء الثورة الخمينية التي أطاحت بحارسها القوي في الخليج، شاه إيران، مثلما أطاحت الثورة المصرية بحليفها الاستراتيجي حسني مبارك، وهذا الضعف البنيوي في فكرها التخطيطي التنبؤي قد يكون أحد عوامل انهيارها كقوة عظمى، بدليل، بداية تقليص نفوذها في الشرق الأوسط، مصر أنموذجا، وبدليل، وجود مؤشرات كبيرة على تشكيل حلف إقليمي جديد فيه إيران و… قد يغير ميزان القوة في الخليج، وقد يدخلها في صراعات جديدة غير مسبوقة، فكيف لو كانت موسكو طرفا فيه، وبدليل، ما أفرزته القمة الإيرانية الباكستانية الأفغانية يوم السبت الماضي من مؤشرات على قيام محور جديد بين الدول الثلاث بعد القاء اللائمة على التدخلات الأجنبية لتباعدها خلال المرحلة الماضية، وبعيد اندلاع الثورة خونت القاهرة (600) مؤسسة تمول من قبل واشنطن، بما فيها فروع لمؤسسات أميركية تابعة للحزبين الجمهوري والديمقراطي، فلماذا يقوم الحزبان المتنافسان على الرئاسة في أميركا بفتح فروع لبعض مؤسساتهما في مصر وبعض الدول العربية؟ أنها تستطيع أن تحقق من خلالها ما لم تستطع جيوشها تحقيقه في عصرنا الحالي، والتساؤل الذي ينبغي أن يطرح هنا، هو، لماذا تخشى إدارة أوباما من محاكمات (43) ناشطا أجنبيا ومصريا من بينهم نحو (20) أميركا لو كانوا أبرياء ؟ أليس اللجوء إلى المحاكمة حقا من حقوق الإنسان؟ فلماذا تظهر هنا واشنطن ضد أهم الحقوق وهى التي تقدم نفسها للعالم، بأنها المدافع الأول عن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية؟ ربما لأن الإدانة ثابتة، ولأن التحقيقات سوف تثبت للعالم ما هو أخطر من محاولة واشنطن السيطرة على الثورة المصرية، ربما لتقسيم أرض الكنانة لدواع إسرائيلية، وهذا ما يفسر لنا ، تدخل القيادة العسكرية الأميركية في قضية مؤسسات المجتمع المدني، والتلويح بقطع المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية لمصر والتي تبلغ (1،3) مليار دولار سنويا ، فالقضية قد تم عسكرتها متجاوزة عملية التسييس المتوقعة، وهذا يعكس لنا ماهية وحجم القضية الحقيقي، فلو كانت القضية سياسية، لرأينا زيارات مكوكية لكلينتون وزيرة الخارجية الأميركية وبقية دبلوماسييها، بينما أصبح هذا الملف الآن بيد العسكر، فزيارات رئيس القيادة المركزية الأميركية ورئيس أركان الجيوش الأميركية لمصر دليل واضح على وجود بعد أمني وعسكري في قضية مؤسسات المجتمع المدني في مصر.
فهل سوف نستفيد من التجربتين؟ والذات التي نعبر عنها هنا ذاتنا العمانية حصريا سواء كانت الذات هنا كيانا معنويا أو فرديا، لأننا لا نريد أن يأتي اليوم الذي نخون فيه بعضنا البعض، ولا أن يتم تسييس مؤسسات المجتمع المدني لخدمة قضايا أجنبية، فالتجربتان المصرية والبحرينية قد جاءتا في ظرفية سياسية وزمنية مناسبة جدا حتى يدرك كل ناشط أهمية البعد الوطني للشريك الثالث وهو ( مؤسسات المجتمع المدني ) تأسيسا، وتمويلا، وأجندة، ونشاطا، وكذلك بخطورة الاستقواء بالأجنبي، وهذا يعني أن مؤسسات المجتمع المدني وناشطيها في بلادنا ينبغي أن يمارسوا أدوارهم الوطنية بوعي التجارب الخارجية وحتى نضالاتهم واحتكاكاتهم مع السلطات في الدفاع عن الحقوق والحريات ينبغي أن تستمد قوتها من الداخل لا من الداخل، ومن عدالة القضايا ووطنيتها ، فمن الداخل سوف تكمن قوتهم، ومنها سوف تستمد شرعيتهم، صحيح سوف تدفعون الثمن مرتفعا قليلا لأنهم دون غطاء خارجي، لكن، الأصح، أنهم سوف يحظون بالاحترام والتقدير الشعبي، وسوف يتولد لديهم شعور داخلي بقوة غير محسوسة، لن يحس بها إلا من جرد نشاطه من أية دوافع أو منافع ذاتية ومن أية تبعية أجنبية، وجعلها خالصة ( لله ) ومن ثم الوطن بكل ما فيه من ولاءات وانتماءات المجمع عليها، وبكل ما فيه من تطلعات مواطنيه العادلة والمشروعة، ومن هذه السياقات، فينبغي الترحيب بنشاط ودفاع كل ناشط أو كل فاعل أوكل مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني من أجل المصلحة حتى لو تبنت رؤية استشرافية تتجاوز الحاضر ولا تستوعبها العقلية السياسية المعاصرة، فنعم بمؤسسات المجتمع المدني الوطنية ،، المنشأ والأهداف والتمويل ،، نعم بتكاملها مع الجهود التي تبذل من أجل الوطن والمواطن، بل، نعم حتى بتنافسها معها إذا كان من أجل أهداف وطنية خالصة ، ولا ولن بالمطلق لأية تبعية أجنبية ..
للموضوع جزء ثان.
د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات منشوره | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















